السعيد شنوقة
286
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [ الأنعام : 149 ] « يعني فإن كان الأمر كما زعمتم أن ما أنتم عليه بمشيئة الله ، فلله الحجة البالغة عليكم على قود مذهبهم » « 1 » على أساس أن أكثر المعتزلة يرون أن الله تعالى هدى الكافرين فلم يهتدوا ، ونفعهم بأن قوّاهم على الطاعة فلم ينتفعوا ، وأصلحهم فلم يصلحوا « 2 » ؛ لذا فإن ما زعموه لأنفسهم مما هم عليه بمشيئة الله هو عليهم وليس لهم ، يتحملون في إطاره تبعات ما اختاروه . ويظهر أن تقدير الشرط من الزمخشري يتجه إلى تعزيز رأي المعتزلة السابق . وفي الآية : فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [ الأعراف : 30 ] يوظّف التقدير ليثبت أحد أصول المذهب وهو الخذلان الذي هو عندهم « 3 » ترك الله - سبحانه - أن يحدث من الألطاف والزيادات ما يفعله بالمؤمنين ؛ فترك الله أن يفعل هو الخذلان من الله للكافرين ، ثم قال مقدرا مضافا بعد الفعل ( حق ) : « أي كلمة الضلالة ، وعلم الله أنهم يضلّون ولا يهتدون » ثم جعل انتصاب ( فريقا ) بفعل محذوف مضمر يفسره ما بعده كأنه قيل : وخذل فريقا حق عليهم الضلالة « 4 » . وجعل الزمخشري قوله تعالى : رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ [ يونس : 88 ] دعاء بلفظ الأمر كقوله تعالى : اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ [ يونس : 88 ] ومنع أن يكون اللام للتعليل في [ ليضلّوا ] وأن الفعل المنصوب بها على أساس أن موسى عليه السلام أخبر أن الله تعالى إنما مدّهم بالزينة والأموال ، وما يتبع ذلك من النعم من أجل استدراجهم كي يزدادوا إثما وضلالة . غير أن الزمخشري ردّ معنى التعليل في اللام لأنه يرى على أحد أصول المعتزلة أن الله تعالى لا يملي على العباد الضلالة ويحاسب عليها « 5 » . وحين علم من قوله عز وجل : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ يونس : 99 ]
--> ( 1 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 59 . ( 2 ) انظر الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ، ج 1 ، ص 324 . ( 3 ) انظر م ن ، ج 1 ، ص 328 . ( 4 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 76 . ( 5 ) انظر الكشاف ، ج 2 ، ص ، 250 وكذا ابن المنير ، الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 2 ، ص 250 .